إشارات للتَّعاطف مع المقاولين المتأخرة مُستحقاتهم

لقد أرسى ديوان المظالم سابقةً في المملكة العربية السَّعودية عندما سمح للمرة الأولى بإلغاء غرامات التَّأخير على شركات المقاولات المُتعاقدة مع الجهات الحكومية إذا كان بوسع هذه الشَّركات إثبات أن التأخير ناجم عن تأخر المدفوعات الحكومية. تُعد هذه السَّابقة أمراً مثيراً للاهتمام، حيث إنها تعني فعلياً فرض عقوباتٍ مالية على الجهات الحكومية بسبب عدم سدادها الاستحقاقات في تواريخها المستحقة، ومن أهم أسباب تفرّد هذا القرار، أن الكثير من علماء الدين يرون في هذه العقوبات مُخالفة للشريعة الإسلامية باعتبارها فوائد ديون محرَّمة.

من المبادئ المتعارف عليها في ديوان المظالم (المكافئ للمحكمة الإدارية في البلدان الأخرى) أنَّ إنجاز عُقود الأشغال العامة والبنية التَّحتية هو أمر ذو أهمية كبيرة للدولة، لدرجة أن بعض الأمور، مثل المصالح الخاصة للمقاول المُتَعَاقَد معه تبدو شيئاً ثانوياً. أحد الأمثلة على ذلك هي أنَّ الحكومة تتوقع من المقاول ألا يتأخر في تنفيذ العقد حتى لو كان هناك تأخير من قبل الجهات الحكومية في سداد مستحقاته.

وهذا الشرط منصوص عليه صراحةً في اللائحة التَّنفيذية لقانون المُشتريات الحكومية، والذي تنص على أنه لا يجوز للمقاول رفض تنفيذ التزاماته بدعوى أن الجهات الحكومية تخلفت عن الوفاء بالتزاماتها. 1* ويدعم هذا أيضاً المادة 154 من نفس القانون، والتي تنص على حق المقاول في مطالبة الجهات الحكومية بسداد المدفوعات المتأخرة، مما يعني بشكل عملي أنَّ كل الحق الذي يمتلكه المقاول هو المطالبة بالحصول على مستحقاته فحسب، دون أيِّ حق في وقف تنفيذ الأعمال نتيجة تأخر المستحقات.

ليس هذا فحسب،  فحتى لو تم إدراج أي بنود تعاقدية في العقود بين المقاولين والجهات الحكومية تنص مثلاً على أن للمقاول الحق في تعليق العمل عند عدم الحصول على مستحقاته، لن تكون لهذه البنود أي حِجِّية في المحكمة، وذلك استناداً إلى اللوائح التَّنفيذية لقانون المُشتريات الحكومية، والتي تنص على أن “العقود المبرمة بين الجهات الحكومية والمقاولين لا يجب أن تتضمن أيَّ بنود تتعارض مع قانون المناقصات والمشتريات الحكومية أو مع لوائحه، وفي حالة وجود تعارض بين الإثنين تسود أحكام القانون على أي بنود تم إبرامها”. 2*

وفي حين أن ديوان المظالم لا يزال يلتزم بدعم هذا المبدأ القانوني، والذي ينص على أنَّ المقاول لا يُمكنه تبرير التأخر في التسليم بسبب تأخر الجهات الحكومية في سداد المستحقات، إلا أن السابقة التي لوحظت في الآونة الأخيرة هي أن الديوان لديه استعداد لمنح المقاول ما يُمكن تسميته “تعويضاً” عن تأخر الجهات الحكومية في الوفاء بالتزاماتها.

وبدلاً من أن يقوم ديوان المظالم بتقدير هذه التعويضات بطريقة مشابهة لاحتساب الفوائد البنكية، لاحظنا في العديد من الحالات المُبلغ عنها أنه يتم تقييم التَّعويض بنفس مقدار غرامة التأخير التي فُرضت على المقاول. وهذا يعني عملياً أن ديوان المظالم يلغي غرامات التأخير التي فُرضت على المقاول.

لذلك، تُنصح الجهات الحكومية بأن تضع في اعتبارها هذا الخطر عندما تقرر فرض عقوبات تأخير على المقاولين بينما هي نفسها تتأخر في سداد المدفوعات المستحقَّة للمقاول.

 

1* المادة 48 من اللائحة التنفيذية لقانون المشتريات الحكومية.
2* المادة 154 من اللائحة التنفيذية لقانون المشتريات الحكومية.